المقريزي
281
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
ثوبه فأكل منها هو وخلف ونفر من خواصّه ما سدّ رمقهم . ولما وقف أحمد خان بمن معه على ذلك المسيل ، وهو أمر عظيم ، ومن عادته أنه لا يجفّ إلى أربعة أشهر ، وإنما يمرّون فيه على شيء يعملونه من الحطب ، ثم يجلّدونه بجلود مدبوغة يقال لها تكرة ، تسع التكرة منها خمسين رجلا ، أو عشر غرائر حبّا ، فأذن اللّه تعالى أن نقص الماء حتى عبره هو وأصحابه رجالا وركبانا . وقد صار في ثمانية آلاف فارس ومائة فيل ، وما من يوم إلا وهو يزداد فيه رجالا وفرسانا ، وقدم المنهزمون على السّلطان فيروز شاه . فخرج بعد ما أنفق في العسكر مرّة ثانية ، وحمل معه في الخزائن مالا كثيرا ونزل سلطان فور خارج كربلكا ، وعسكر هناك ، وعبأ الفيلة وأعطى الأموال ، فلما جنّه الليل تسلّك من معه من الوزراء والأمراء والعسكرية إلى أحمد خان ، فأصبح وقد ذهب ملكه وانحلّ سلطانه . فعاد إلى كربلكا وقد اشتدّ به ألم البواسير التي كانت تعتاده ، وعجز عن الرّكوب حتى حمل على الأعناق في شيء عندهم يقال له فالكي ، تحمله الرّجال على أعناقها ، فما مر بالمدينة حتى ثار العامة ونهبوا ثقله وماله . وقد سار أحمد خان في إثره على مهله من غير عجلة حتى قرب من المدينة ، فأفرج فيروز شاه عند ذلك عن أولاد أخيه أحمد خان وبعثهم مع ولده حسن شاه ومعه الجتر « 1 » إلى أحمد خان . وقد قدّم أحمد بين يديه خمس مائة فارس طليعة لئلا يكون قد أعدّ له كمين في المدينة ، فوافاه حسن شاه بذلك ، وسار بالجتر على رأسه حتى عبر على أخيه فيروز شاه ، فإذا به وحده ، ليس عنده أحد ، فوقف بين يديه ، وخدم له على عادته ، واستمرّ قائما ، فبكى فيروز ووصّاه بأولاده ، وأكّد عليه في أن لا يبقي أحدا من الوزراء والأمراء فإنّهم لم ينفعوني فلا ترجو منهم أن ينفعوك ، فمضى عنه وجلس على تخت الملك وسرير السّلطنة ، وتكنّى
--> ( 1 ) هي مظلة السّلطان .